حيدر حب الله

317

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)

الغامدية « 1 » ، على أساس أنّها كانت محاولة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعدل ماعز عن إقراره ، فإذا عدل تصبح محاكمته مورداً للشبهة ، فيسقط الحدّ عنه « 2 » . بل يمكن تطوير هذا الدليل ، عبر القول بنظريّة ابتناء الحدود على التخفيف والتحقيق ، كما نصّ على ذلك بعض الفقهاء والباحثين « 3 » ، ومن ثمّ فتكون هذه الشواهد كلّها دالّةً على مبدأ التخفيف هنا ، وهو ما يمكنه أن يشكّل مدركاً لقاعدة الدرء . ويناقش هذا الدليل : أوّلًا : بما قلناه سابقاً ، من وجود شواهد عكسيّة تتشدّد في إجراء الحدّ ، كالشفاعة والكفالة وحدّ شهود الفرية وتأخير الحدود ، ونظر ساعة فيها و . . فهذا كلّه يدلّ على اهتمام الشارع بإقامة الحدّ ، لا تخفيفه . ثانياً : إنّ الأمر بالتستر على الزاني وعدم الشهادة ضدّه ، وكذا ترجيح توبة الزاني مثلًا على إقراره أمام المحكمة . . كلّها أمور لا علاقة لها ببحثنا هنا ؛ لأنّنا لا ندّعي رغبة الإسلام في إقامة الحدّ والسعي لحشد الاتهامات كي تُقام الحدود ، وإنّما رغبته بإجراء العقوبات بشكل حاسم ، لكن بعد ثبوت الجرم شرعاً وقانوناً ، فوظيفة الشهود والجاني شيء ، فيما وظيفة المحكمة شيء آخر ، ولا ينبغي الخلط بين الوظيفتين ، فكأنّ الشارع لا يرغب بفتح ملفّ القضية في المحكمة ، لكن لو فُتحت فإنّ منهج التعامل معها سيكون حاسماً ، لا تخفيفيّاً مثلًا ، وأيّ غرابة في هذا التمييز ؟

--> ( 1 ) انظر خبر ماعز في : صحيح البخاري 8 : 24 ؛ ومسند أحمد 1 : 238 ، 270 ؛ وسنن أبي داود 2 : 345 ؛ وسنن البيهقي 8 : 226 ؛ وسنن النسائي 4 : 279 ، و . . وخبر الغامدية في صحيح مسلم 5 : 119 - 120 ؛ وسنن البيهقي 6 : 84 ؛ وبحار الأنوار 21 : 366 - 367 . ( 2 ) انظر : عودة ، التشريع الجنائي الإسلامي : 337 . ( 3 ) انظر - على سبيل المثال - : إيضاح الفوائد 3 : 454 ؛ والمهذّب البارع 5 : 51 ؛ ومجمع الفائدة والبرهان 13 : 7 ؛ والجزائري ، التحفة السنيّة : 33 ؛ والحدائق الناضرة 22 : 38 ؛ ومهذّب الأحكام 27 : 260 ؛ وجواهر الكلام 41 : 298 ؛ ومسالك الأفهام 14 : 374 ، 513 ؛ والرباني ، قاعدة الدرء : 62 - 63 ، 71 - 72 ؛ وغير ذلك .